محمد أبو زهرة

226

المعجزة الكبرى القرآن

وأمثال ذلك كثير في القرآن ، ومنه قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ [ البقرة : 228 ] وهذه حال المطلقة الحامل وذلك إيجاز لا تفصيل فيه ، وبينت حال الحامل ، في قوله تعالى : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ الطلاق : 4 ] . 129 - وإن الأمر الذي يجب أن نعرفه ونؤمن به ونؤكده ، وهو الذي يليق ببلاغة القرآن التي لا تسامى ، ولا تناهد ، وتتحدى بها الأجيال كلها - في كل اللغات - أن الإيجاز ليس فيه قصور في الألفاظ بجوار كثرة المعاني ، وليس فيها إبهام أو عدم وضوح ، بل الألفاظ تكون على قدر المعاني مع كثرتها ، فهي واضحة الدلالة ، كما أن المعاني وفيرة غزيرة مغدقة . وإن الإطناب كذلك ، فإن المعاني تكون كثيرة ، والألفاظ على قدرها لا زيادة فيها بحيث لا يمكن الاستغناء عن بعضها والاكتفاء ببعضها ، بل إنك لو أردت حذف كلمة ، بل حرف من كلمة لأحسست بأنك قطعت جزءا من الصورة البيانية ، فلا تكون الصورة كاملة بدونها ، بل تحس بفراغ في مكانها لا بد أن يملأ . وإذا كان الإطناب مع كثرة الألفاظ على قدر المعاني بحيث لا يستغنى بكلمة عن كلمة ، والإيجاز كذلك ، فما الفرق إذن بينهما ، ولم يكن ثمة حاجة لأن يقسم بيان القرآن إلى إيجاز وإطناب ، وقد اتفق علماء البلاغة على أن في القرآن الكريم النوعين . وإننا نقول في الجواب : إن الإيجاز والإطناب طريقان للبيان ، كل منهما واف في موضعه ، يؤدى الغرض الأول في موضعه ، وهما يتباينان لا يجمعهما إلا البلاغة البينة الواضحة ، وكل له مقامه . ولنوضح الفرق بينهما في الحقيقة ، ثم نوضح الفرق بينهما في مواضعهما من القرآن الكريم . فالفرق بينهما في الحقيقة أن الإيجاز يكون بحذف كلمة دلت القرائن عليها مع الوفاء في حذفها ، كالوفاء في ذكرها ، والبلاغة تكون في الحذف في مقام البيان إن كانت الدلالة قائمة ، والقرائن مثبتة ، ويكون في الحذف فائدة لا توجد مع ذكر المحذوف كقول اللّه تعالى عن قول إخوة يوسف لأبيهم : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 82 ) [ يوسف : 82 ] . وإن القرية وهي مجموع المساكن والطرقات لا تسأل إنما يسأل من فيها ، بل يسأل بعض من فيها ، وذلك دليل على أن المسؤول هو البعض ، فهنا إيجاز بالحذف ،